عدد الضغطات  : 2374

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم


   
 
العودة   الملتقى الثقافي لأبناء قبيلة العوازم > ( الملتقى الأدبي ) > الملتقى الأدبي
 
   

الملتقى الأدبي يهتم بالخواطر الأدبية والنثر والقصص والرواية وابداعات القلم .

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 17-06-2011, 04:05 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الدكتور سليم السلمي
 
افتراضي الغزل عند العرب القدامى

الغـزل العـذري
مفهوم الغزل العذري:
هو غزل طاهر عفيف، يصور فيه الشاعر مكابدة العشق، وألم البعد عن الحبيبة، ولايحفل فيه بجمال المرأة الجسدي، بقدر ما يحفل بقوة أسرها وجاذبيتها، ويقتصر فيه على محبوبة واحدة، يُخلص لها طوال حياته.
نشأته:
ينسحب هذا اللون من الغزل إلى بني عُذرة، الذين كانوا يسكنون بوادي القرى شمال المدينة المنورة، ويروى أن سعيد بن عقبة سأل أعرابيًا: ممن الفتى؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا، قال: عُذريٌّ وربِّ الكعبة، فمِمَّ ذاك؟ قال الأعرابي: في نسائنا صباحة، وفي فتياننا عفة. وقد ترددت أخبار عقهم وعشاقهم، فوضفوا بأنهم أشد خلق الله عشقاً، فكانوا مضرب الأمثال في شدة الحب وصدقه، وقد جمعوا إلى رقة القلوب شدة العشق، عفافًا وتحرجًا من المآثم. لكن هذا الحب العذري لم يكن مقصورًا على بني عذرة، فقد شاع أيضًا في بعض القبائل، ومنها بنو عامر الذين سكنوا في أطراف نجد، وظهر فيهم مجنون ليلى(قيس بن الملوّح).
وترجع بدايات هذا الغزل إلى العصر الجاهلي، ولكنه ترعرع في هذا العصر حين طرأت على المجتمع الإسلامي في الحجاز عوامل اجتماعية وسياسية، فقد شاع في حواضر الحجاز الغنى والترف واللهو، بينما كان أهل البادية الحجازية فقراء لم يتح لهم اللهو، وقد انقطعوا من حياتهم الجاهلية، وتأثروا بالإسلام، وبالقرآن خاصة، فنشأ في نفوسهم شيء من التقوى، وانصرفوا عن حروبهم، وأسباب لهوهم الجاهلي، فأدّى بهم هذا إلى شيء من المثل الأعلى في الحياة الخلقية، وظهر بينهم الزهد، والغزل العفيف، بعيدًا عن ألوان الفساد التي كانت قد شاعت في حواضر الحجاز.
وكان من نتيجة ذلك التحول في الحياة، أن ظهر شعراء لايصفون الملذات، وإنما يتصدون إلى وصف العواطف الحارّة الصادقة، التي تُعذب صاحبها. دون أن تتيح له لذة مادية حسية، وإنّما اللذة الوحيدة التي يجنيها هي لذة الألم في الحب، ولوعة الأشتياق إلى المحبوبة.
ولهذا اللون من الغزل جذور في العصر الجاهلي، ولكنه أصبح فنّاً مستقلاً في العصر الأموي، على الرغم من أن غزل العذريين من الجاهليين فيه ما في غزل العذريين من الأمويين من صدق العاطفة وحرارتها، والاقتصار على محبوبة واحدة، والاهتمام بجمال المرأة المعنوي أكثر من العناية بجمالها الجسدي، وتنقّل الشاعر في تعبيره عن حبه بين شوقه وألمه، وصدّ الحبوب ووصاله، والأمل في هذا الحب، واليأس من الوصول إلى الحبيب. ويذكرون أن الفتيان كثيرًا ما كانوا يخالطون قريباتهم وبنات أعمامهم، أو كانوا ينشأون معًا في بيت واحد، فإذا ما كبر الفتى، ونضجت الفتاة تَحابّا، كما أحب عروة بن حزام ابنة عمه عفراء والمرقش الأكبر ابنة عمه أسماء.
وكان اللقاء الأول يتم غالبًا إما بالسفر والترحال والمرور بديار الفتاة أو الفتى، أو في المرعى، كما كان الحال في حب قيس بن الملوّح ابنة عمه ليلى وهما يرعيان الغنم بدل على ذلك قوله:
تعلقـت ليلـى وهـي ذاتُ تمائـمٍ
ولـم يَبْدُ للأتـرابِ من تديها حجـمُ

ضغيريْنِ نـرعى البَهْـمَ ياليت أنّنا
إلى اليـومِ لم نكبرْ ولم تكبرِ البَهـمُ

وقد توافرت لهذا اللون الغزلي من العصر الأموي ظروف دعت إلى استقلاله عن غيره من ضروب الغزل، وإلى اتضاح معالمه وخصائصه حيث كوّن ظاهرة أدبية.
مضاميـن الغـزل العـذري:
إن الموضوع الذي يستغرق شعر الشاعر العذري، هو البحث عن المرأة الوحيدة المعشوقة دون أن يصل إليها، وأن يطلبها الشاعر، فلا يحصل منها إلا على طيف الزيارة، وبعض الحديث، فتثور في نفسه مكامن اللوعة والحسرة، وتخرج زفرات الحب من تلك النفس حارة صادقةن فيفرغها في هذا الشعر الذي نجده عند عامة الشعراء العذريين حزينًا باكيًا.
ويعتمد هذا الشعر على تصوير آلام البعد، وعذاب الفراق، ولوعة المكابدة، وحرارة الحرمان من غير طائل. وقد يصل الأمر بالشاعر أن يكتفي من المحبوبة بالنظرة العاجلة أو الوعد الكاذب ، يقول جميل بثينة:
وإنـي لأرضى من بُثينـةَ بالـذي
لـو ادركه الواشي لقـرّت بلابلُـهْ

بـلا وبـألاّ استطيــع وبالمُنـى
وبالأمـلِ المرجُــوِّ خـابَ آملُـهْ

وبالنظـرةِ العَجْلى والحوْلِ ينقضـي
أواخــرُهُ لانلتقـــي وآوائلُــهْ

فالشاعر يرضى من حبيبته أن تقول له: لا، إذا دعاها للقاء، أو أن تعِدَه ولاتفي بهذا الوعد، أو أن تُؤمِّله ثم تخيّب ذلك الأمل، فإذا يئس من لقائها اكتفى بنظرة سريعة إليها؛ لعلّ تلك النظرة تطفئ ما في فؤاده من لوعة الوجد، ثم إنّا نرى هذا الشاعر يبلغ به اليأس حدّاً يدفعه إلى الاكتفاء برؤية صاحبته مرة واحدة في الحول، وقلما يكون هذا، إذا حالت دون ذلك ظروف، أو اعترضت سبيله عقبات.
وبعد هذا لنا أن نتصوّر ما يقاسيه هذا الشاعر وأمثاله من الشعراء العذريين المعذّبين، الذين ملأ عليهم عشقهم ليلهم ونهارهم، فهم في مكابدة دائمة مادامت قلوبهم تنبض بالحياة، لا يهدأون ولا يستقرون.
ويعبر عن هذا أجمل تعبير، شاعر عذري تحكي قصته، قصة كل عاشق معذّب، إلاّ أنّه يختلف عن كثيرين من أوئلك العشاق بأنه ظفر بمحبوبته، وتزوجها، ولم يدم الزواج، وطُلّقت على الرغم عنه، وجُنّ الشاعر أو كاد، إنّه قيس بن ذريح، يقول الشاعر مصورًا مكابدة العشق:
أُقضّـي نهـاري بالحـديث وبالمنى
ويجمعنـي والهـمَّ بالليـل جامـعُ

نهـاري نهارُ الناسِ حتـى إذا بـدا
لـي الليلُ هزتنـي إليكِ المضاجـعُ

لقـد رسختْ في القلب منكِ مـودةٌ
كما رسخت في الراحتين الأصابـعُ

أحـال علـيَّ الهمُّ من كـلِّ جانـب
ودامـت فلم تبـرحْ عليَّ النواجـعُ

وأهجـركم هجـرَ البغيضِ وحُبّكـم
علـى كبدي منه شـؤونٌ صـوادعُ

في هذه الأبيات قيّد الشاعر العذري نفسه راضيًا مختارًا بقيد العشق الذي لا انفكاك منه، لقد رَسَخَ حب محبوبته في نفسه وفي قلبه رسوخ الأصابع في راحة اليد، فلا سبيل إلى الخلاص منه دون أن يترك أثرًا في النفس، وأصبح حبّها على هذه الصورة همّاً ثقيلاً لا يملك خلاصاً منه؛ لأنّ العاشق في مثل هذا الوضع النفسي يفقد الإرادة ويعدم القدرة على النجاة من سطوة الحب، وغلبة التعلق بشخص المحبوب.
وقد تعرض الشاعر إلى لوم اللائمين، ومراقبة الواشين الحاسدين، فيتخذ من هذا اللوم، وتلك المراقبة مناسبة للتعبير عما يكّنه قلبه من لواعج الحب، ولايزيده اللوم إلا تعلقًا بالمحبوب، وفي هذا يقول جميل بثينة:
لقـد لامنـي فيهـا أخٌ ذو قـرابـةٍ
حبيبٌ إليـه فـي مَلامتـهِ رُشـدي

فقـال: أفِقْ حتـى متى أنت هائـمٌ
ببثينـةَ فيها وقد تعيـدُ وقد تُبـدي

فقلـتُ له: فيها قضى اللَّهُ ماتـرى
علـيَّ وهل فيما قضى اللَّهُ مـن رَدِّ

فـإن يـكُ رشـداً حُبّها أو غـوايةً
فقـد جئتُهُ ما كان منّي على عَمْـدِ

ومازادهـا الواشـون إلا كـرامـةً
علـيَّ ومـازالت مودّتُـها عنـدي

أبـى القلبُ إلا حـبَّ بثينةً لم يُـرِدْ
سـواها وحبُّ القلبِ بثنةَ لا يُجـدي

فالشاعر يلومه اللائمون، وينصحه الناصحون، ويتعرض له الواشون لإفساد علاقته بالمحبوبة، فيجيبهم جواب المستسلم لقضاء الله وقدره في هذا الحب، الذي لايملك فيه على نفسه سلطانًا يردها عما هي فيه من الغواية، والشاعر هنا يذكرنا بحقيقة أحاطت بحياة أولئك العشاق العذريين، وهي أنهم كانوا مراقبين أشد المراقبة، فكان حديث الواشين يشكل هاجسًا من هواجس الشاعر، وقد عبّر جميل بثينة عن هذا المضمون في أكثر من موضع، ونستطيع القول إنه في هذا يمثل أضرابه من الشعراء العذريين المطاردين. وتُظلِّل أشعار العذريين سحابة من الحزن الدائم، والبكاء الذي يدمي القلب ، وتكاد النفس تذهب لفرط المصيبة التي تحلّ بالشاعر العاشق، إذا هجرته المحبوبة أو حال بينهما حائل، وفي هذا يقول كثِّير عزة:
خليلـيَّ هـذا ربـعُ عـزّةَ فاعقـلا
قلـوصيكما ثـم ابكيـا حيث حَلّتِ

وما كنتُ أدري قبـل عزةَ ما البُكـا
ولا موجعـات القلبِ حتـى تـولّتِ

كأنـي أنادي صخرةٌ حين أعرضَتْ
من الصُّمِّ لو تمشي بها العُصْمُ زلّتِ

فالشاعر هنا يطلب من رفيقيه في السفر أن يقفا على رَبْع عزّة، وأن يبكيا معه على ذلك الربع الذي خلا من أهله، وقد تركت ذكرياته مع عزة في نفسه ألمًا وكمدًا لا يشفى منه إلا بلقائها، ولكن هيهات فإنّها لا تستجيب له، فكأنه يتوسل إلى صخر أصم لا يسمع توسلاته.
وتبدو للبعد والنّوى صورة قاتمة في نفس الشاعر ولا يتذكره إلا ويعتصر الألم قلبه، ولهذا نراه يشكو هذا النوى الذي يفرق بينه وبين محبوبته، يقول كثير عزة:
فما للنَّوى لا بارك اللّه فـي النَّـوى
وعهدُ النَّـوى عندَ المحـبِّ ذَميـمُ

فإما تَـريْني اليـومَ أُبْـدي جَـلادةً
فإنّـي لعمْـري تحـتَ ذاكَ كَليـمُ

والشاعر العذري حريص على محبوبته، فهو لايذكرها بسوء، وهو في حبه لها طاهر النية والسريرة، يقول كثير عزة:
وقـال خليليـك: مالهـا إِذْ لقيتَهـا
غـداةَ الشّبـا فيهـا عليك وجُـومُ

فقلــتُ لـه: إنَّ المـودةً بيننـا
علـى غيرِ فُحـشٍ والصّفاءُ قديـمُ

والشاعر العذري أيضًا حريص على العهد الذي بينه وبين محبوبته، يحفظ لها المودة، ولا تمنعه كثرة النساء من حوله أن يبقى وفيًا لها على الرغم من افتراقهما، وفي هذا يقول كثير عزة:
لَعَمْرُكِ ما أنصَفْتِنـي فـي مودّتـي
ولكَّننــي ياعــزُّ عنـكِ حليـمُ

وأُقسـمُ مـا استبدلتُ بعـدَكِ خُلَّـةً
ولا لك عنـدي فـي الفـؤادِ قسيـمُ

فالشاعر هنا يقسم أنه وفيّ لمحبوبته، لايشرك معها امرأة أخرى في قلبه، على الرغم من شكواه من عدم إنصافه في مودتها له، وفي هذا غاية الإخلاص والتضحية للمحب.
وتجدر الإشارة إلى أن الشعر العذري لم يكن خاليًا من بعض الإشارات الحسية، يُسوّغ بها العاشق تعلقه بالمحبوبة فتكون سببًا في تخفيف لوم اللائمين، يقول جميل بثينة:
تمنيتُ منهـا نظـرةً وهـي واقفٌ
تـريكَ نقيًّا واضـحَ الثَّغـر أَشْنَبَـا

يُضفِّـق بالمسـكِ الـذَّكيِّ رُضابُـهُ
إذا النّجمُ من بعدِ الهـدوءِ تَصوَّبـا

والشاعر هنا يتمنى أن تجود عليه محبوبته بثينة بنظرة، وأن تريه تغراً أبيض الأسنان، رائحة رضابة ذكية كأنها ممزوجة بالمسك، وجعل الشاعر ذلك بعد أفول النجم أو عند النوم، وهو وقت تتغيّر فيه رائحة الأفواه. ومع ذلك يبقى لمحبوبته ذلك التفرد الذي اراده لها؛ قصداً منه لإظهار جمالها وتميزها عن سائر النساء، وربما نلمح في البيت الأول إشارة من الشاعر إلى عفّة المحبوبة وعفّته أيضاً، فهو يقول(تمنيت) وكأنّ الأمر لم يكن أكثر من أمية تمناها الشاعر، وأن ما أتى به من وصف كان من نسج خياله.
سمات الغزل العذري:
تجاوز الشعراء العذريون في قصائدهم اتجاهات الشعراء الجاهليين، وكذلك تميزوا عن أولئك الشعراء الذين عاصروهم من أصحاب العزل الصريح فبدت أشعارهم نسيجًا جديداً في الشعر الغزلي عند العرب، له خصائصه وسماته، لكنَّ هذه الخصائص لا تستغرق الشعر العذريّ كلّه، وإنما هي تتباين وتفترق في بعض الجزئيات من شاعر إلى آخر. وفي مايلي أهم هذه الخصائص:


1 ـ الاقتصار على محبوبة واحدة:
كان الشاعر العذري ينظم شعره في محبوبة واحدة، إليها يوجّه خطابه، وهو دائمًا يتمثّلها في كل ما يصدر عنه من انفعالات أو حركات، فقيس بن الملوحّ كان يخاطب ليلى، وجميل كان يخاطب بثينة وهكذا.
ولم يكن الشاعر يهتم بمن يستمع إليه من الناس، وإنّما كان ينشد لهذه المحبوبة التي اصطفاها من سائر النساء.
2 ـ وحدة الموضوع:
لانلمح في العزل العذري التقاليد الشعرية المعروفة إلا نادرًا، ولا نرى تلك المقدمات التي تسبق الموضوع الرئيس، بل نجد أنّ كل بيت في القصيدة يخدم عاطفة الشاعر وأحاسيسه التي ينبض بها قلبه فلا حاجة له بالمقدمات والتغني بغير الحب الذي ملأ عليه نفسه.
3 ـ بساطة المعاني والسهولة والوضوح:
كان هَمُّ الشاعر أن يعبّر بصدق عن المعاني التي تفيض بها نفسه، ويصدر فيها عن فطرة وبساطة، بعيداً عن محالات التعمق، والابتكار، والتلوين الفني، والغموض والاضطرابات؛ لأنّها كانت تعبيرًا صادقًا عن النفس.
4 ـ الصدق:
كان مصدر هذا الصدق عند الشاعر العذري أنّ شعره كان يصدر عما يختلج في نفسه من أشجان الحب والحرمان والمكابدة، ولا غرض عنده في أن يداري أو أن يفتعل الأحداث. وكانت براعتهم تتجلّى في عرض ما يعتمل النفس البشرية في مواقف الحبّ.
5 ـ العفّة:
وتتبدى العفة في طهر القول، فقد غاب من هذا الشعر الوصف الحسي، إلاّ في القليل النادر منه، ولم يتحدث العذريون عن مفاتن محبوباتهم الحديث المادي الوصفي كما كان الحال عند الشعراء الغزليين الجاهليين، أو كذلك الغزل الذي نجده عند شعراء الغزل الصريخ أمثال عمر بن أبي ربيعة.
6 ـ الحزن والتشاؤم:
إن العشراء العذريين قليلاً ما يتحدثون عن فرصة اللقاء أو الوصال، وإنّما يغلب على أشعارهم طابع التشاؤم والحزن، ولكننا نحسّ من وراء ذلك أسىّ مكتوماً، وحزنًا يعصف بقلبه، وإذعانًا لقضاء الله وقدره.
نموذج من الغزل العذري:
يقول كثّير عَزّة:
لعـزةَ أطــلاٌل أَبَـتْ أن تكلَّمـا
تَهيـجُ مغانيهـا الطَّـروبَ المُتيَّمـا

أبَـتْ وأبَـى وجـدي بعزّة إذ نأتْ
علـى عُـدَواءِ الدارِ أن يتصرّمـا

فـإن أنجدتْ كان الهـوى بك مُنجدا
وإن أتهمـتْ يومًا بها الدارُ أتْهمـا

علـى أن فـي قلبـي لعزةَ وقـرةً
مـن الحـبِّ ما تـزدادُ إلا تَتَيُّمـا

يطالبُهــا مستيقنًــا لا تُثيبُـــهُ
ولكـنْ تُسلّي النّفسَ كـي لايُلوَّمـا

تـروكٌ لِسِقْط القـول لا يُهْتَـدى به
ولا هي تُستوصى الحديث المكتَّمـا

ويسحـبُ نسـوانٌ لهـنَّ وسيلــةً
مـن الحبِّ لا بل حبُّها كان أقدمـا

وعُلِّقتُهـا وسـطَ الجواري غزيـرةً
ومـا قُلِّـدتْ إلا التَّميـمَ المُنظَّمـا

وكنـتُ إذا ما جئتهـا بعد هجـرةٍ
تقاصـرَ يومئـذْ نهـاري وأغيمـا

فأقسمـتُ لا أنسـى لعـزةَ نظـرةً
لها كدتُ أبدي الوجْدَ مني المُجمجما

عشيـةَ أومـتْ والعيـونُ حواضرٌ
إلـىَّ برَجـع الكـفِّ أن لا تَكلَّمـا

فأعـرضتُ عنهـا والفـؤادُ كأنمـا
يَـرى لو تُناديـهِ بِــذلكَ مَغْنَمـا

تمثل هذه الأبيات فترة متأخرة من عمر الشاعر، بعد أن عصف الزمان بحبهما وافترقا، ولم يبق لهما من ذلك الحب إلاّ الذكريات التي تثير الأشجان وتبعث الأحزان. فالشاعر في الأبيات الثلاثة الأولى يقف على أطلال المحبوبة التي ارتحلت، ويكلمها ولا تكلمهن وتثير معانيها في نفسه لواعج الحب، والم الفراق. على أن وجده بها لم ينقصِ، وإن نأت بها الدار وبعدت بها المسافات.
وفي البيتين الرابع والخامس يعبّر الشاعر عما يكنه قلبه من عزة، الذي يقوى ويزداد كلما ازداد بعدها عنه، وهو يستضر طيفها أمامه، فيطالبها أن تبادله حبًّا بحب، على الرغم من تيقُّنِه أنها لا تجيبه إلى مطلبه، لكنه لا يريد أن يتعرض للوم؛ فيقال إنه نسيها.
وينقلنا الشاعر في البيت السادس وما بعده إلى الحديث عن المحبوبة وصفاتها وبدايات حبهما، فهي رزينة، قليلة الكلام، كاتمة للسر، ولهذا فقد اختارها محبوبة دون سائر النساء.
وفعل كُثيّر كما فعل نظراؤه من لاشعراء العذريين، فأوصح لنا كيف أنّه أحبها غريرة صغيرة ذات تمائم. وهي ظاهرة تكررت عند كثير من الشعراء العذريين، إذ كانت قد توافرت أسباب اللقاء في ذلك العهد، وفي تلك البيئات.
ونجد عند كُثير كذلك ما عند غيره من العذريين من الوفاء بالعهد، فيقسم الاّ ينسى نظرة متبادلة بينهما كانت دليلاً على الحبّ. ويختتم الشاعر أبياته بالتظاهر بالإعراض عنها حرصًا منه على سمعتها بين أترابها من النساء، وفي الوقت الذي كان فؤاده فيه مشتاقًا إليها أشدّ الشوق.
وقد استطاع الشاعر أن ينقل إلينا أفكاره هذه في لقطات سريعة من الصور الشعرية الموحية. فنراه في الصورة الأولى يقف على الأطلال، وفي صورة ثانية نرى محبوبته عزة جالسةً بوقار وصمت بين نساء من أترابها، وفي صورة ثالثة مستمدة من الماضي البعيد، نرى عزة أيضًا وهي غريرة صغيرة في جماعة من نساء قومها، وقد بدت عليها ملامح الجمال، وفي صورة رابعة نراها قد غدت شابة مزهوة بين النساء، ويلمحها الشاعر وتلمحه فتومئ له بكفّها أن لا تتكلم، وفي الصورة الأخيرة نراه وقد أعرض عنها كأنه لا يعرفها.
وتبدو عاطفة الشاعر متنقلة مع هذه الصور، متسقة معها؛ فهو حزين عند وقوفه على الطلّل. معجب بها عندما يصفها، متحسر على مافات من مشاهد جمعته بمحبوبته، يتمنى لو يعود به الزمن إلى تلك الأيام التي خلت.
أمّا لغة الشاعر وأسلوبة فقد توافقا ومضامين الأبيات التي قدّمها لنا في صورة جمل إخبارية متتابعة في سهولة ويسر، ونستطيع أن نلمح فيه ظلالاً من السرد القصصي الذي يبدو فيه الحوار بين الحبيبين صامتًا، مكتفيًا بالإيماءة والإشارة.
الغزل الحضري(الصريح).
مفهوم الغزل الصريح:
هو الذي كان يصدر عن شعراء الحواضر كعمر بن أبي ربيعة والأحوص والعرجي، لا يمثل عاطفة الحب بدلالبتها الدقيقة، فالحب إنما هو رباط عاطفي بين شخصين يرغب كل منهما في ملازمة صاحبة ولايبغي عنه بديلاً، أما التعلق بعديد من النساء في آن واحد فلا يصح أن يسمى حبًا، وكذلك تلك العاطفة الآنية السريعة الذبول والانطفاء ليست من الحب في شيء.
فغزل عمر بن أبي ربيعة وأضرابه لم يكن إذن صدى الحدب بالمعنى الذي حددناه، وإنما كان صدى الغريزة الجنسية والشهوة والميل الفطري إلى الجنس، وكان هؤلاء الشعراء ينشدون لدى المرأة المتعة العابرة واللهو، ومن هنا كانت عواطفهم سرعان ما يدب إليها الملال والفتور بدافع الارتواء والإشباع فتنطفئ جذورها، فلا يلبثون أن يتحولوا إلى امرأة أخرى خليقة بأن تعيد الحرارة إلى عواطفهم.
شاعر هذا اللون من الغزل في حواضر الحجاز ومكة والمدينة والطائف، وساعد على انتشاره، الثراء والفراغ، واختلاط الأجناس وكثرة المغننين والمغنيات، ويُعد عمر بن أبي ربيعة أشهر شعراء الغزل الصريح، ومن يقرأ ديوانه يجد عدداً غير قليل من أسماء النساء. ويمثل شعره الغزل الصريح أصدق تمثيل؛ لأنه اشتمل على خصائص هذا الغزل. يقول عمر واصفًا إحدى مغامراته:
ويالكَ مـن ملهـىً هناك ومجلـس
لنـا لـم يكـدِّرْهُ علينـا مكــدِّرُ

يمـجُّ ذكـي المسـكِ منهـا مُقبَّـلٌ
نـقيُّ الثنايا ذو غُـرَوبٍ مؤشَّــرُ

تـراهُ إذا مـا افتُرَّ عنـه كأنـهُ
حصـى بَرَدٍ أو أُقحـوانٌ منــوّرُ

وتـرنو بعينيها إلـىَّ كما رنـــا
إلى ظبيـةٍ وسْطَ الخميلةِ جُــؤذُرُ

فلمـا تقَضَّـى الليــلُ إلا أقلــّهُ
وكــادت توالـي نجمـِهِ تتَغـوّرُ

أشَـارتْ بـأن الحيَّ قد حانَ منهُـمُ
هُبُـوبٌ ولكـن موعٌد منك عَـزوَرُ

سمات الغزل الصريح:
1 ـ ميل الشعراء إلى السهولة والوضوح في الفاظهم ومعانيهم.
2 ـ عاطفة الحب عند شعراء هذا اللون الغزلي غير صادقة في الغالب.
3 ـ استخدام الأسلوب القصصي والحوار في الشعر.
4 ـ شيوع بعض المظاهر الحضارية في هذا الشعر، كالأدوات والملابس وغيرها.
5 ـ الشاعر محور الغزل، وهو المعشوق لا العاشق.
6 ـ التأثر بشعراء الغزل القدامى كامرئ القيس والأعشى.







رد مع اقتباس
قديم 17-06-2011, 02:26 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عايض الهدلاني
رئيس مجلس الإدارة
 
افتراضي

بصراحة معلومة جديدة بالنسبة لي بأن الحب العذري منسوب لبني عذرة.......

كما كان الموضوع شامل عن الشعر العذري وحال شعرائه

وخصائص هذا الشعر


الدكتور:سليم السلمي .....شكرآ لك







التوقيع

لمتابعتنا على تويتر 3wazm1

رد مع اقتباس
قديم 17-06-2011, 02:30 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
مشبب بن علي
 
الصورة الرمزية مشبب بن علي
 

 

 
افتراضي

الله يجزلك خير يالدكتوررر بس حبيت أسأل عن شعر الحريم اليوم تقل شعرهم بالغزل فاضح اليوم

لاحياء ولا فيه خوف من الله تفضح نفسها قدام الله وخلقه ياليت يالدكتور تحط موضوع لهن وتعلمهن

ان شعر الحريم بعصر الإسلام هو شعر العفه والعفاف







التوقيع

عشيري كل مامريت هلا ,, وحياني ولا عني تخلا

أبنعم في هوى خلي ليالي ,, على شانه على غيره آتعلا

( بعدين مدري وش قال )

عيونه جرحها ماينتداوى ,, رموش جالها عالخد ظلا

رد مع اقتباس
قديم 17-06-2011, 02:37 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
أبــو فيــصل
 
افتراضي

تشكر على المعلومات القيمة
بارك الله فيك وفي جهودك







التوقيع



الف شكر لأخوي المصمم بدر الشريع على تنسيق الصورة
رد مع اقتباس
قديم 17-06-2011, 04:04 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
جنون حرف
 
الصورة الرمزية جنون حرف
 

 

 
مسابقة خواطر الأولى - المركز الثالث وسام التميز 
مجموع الاوسمة: 2 (أكثر» ...)
إحصائية العضو







اخر مواضيعي

جنون حرف غير متصل


افتراضي

موضوع تشكر عليه دكتوري
وبارك الله في جهودك
دمت بكل خير..







التوقيع

رد مع اقتباس
قديم 17-06-2011, 04:19 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
غلا قطر
 
افتراضي

دكتور عســـاك ع القوه
ع النقل المميز
ودمت بود
غلاقطر







رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء 0 والزوار 7)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فصل الشتاء و (العسل) لـمـعـة الـمـاس بيت الملتقى 20 24-12-2010 01:23 PM
الاعضاء القدامى والعوازم والاعضاء الجدد ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ احمد بن متروك ملتقى السياسة والاقتصاد 11 02-12-2010 12:08 AM
برج العرب. ملك العرب؟!! من يقنع الصم البكم؟=لاهنت يا (فن الاشاره) كل شـي ولـه مجـال يـوسف ملتقى الشعر المنقول 8 25-05-2010 12:03 PM
السر في شهر العسل سعد مبارك المسحمي الملتقى العام 16 28-11-2009 09:10 AM
اروع ما قيل في الغزل عايض الهدلاني الملتقى الأدبي 10 25-09-2009 02:43 PM


الساعة الآن 01:28 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5, Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. Hosted By Beethost.net
(جميع ما يكتب في الملتقى الثقافي لأبناء قبيلة العوازم لا يعبر عن وجهة نظر ملتقى أبناء قبيلة العوازم بل يعبر عن وجهة نظر كاتبه )